الشيخ محمد حسين الحائري

122

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

موافقة الطلب أما لو أتى به بدون ذلك فإن كان المقصود مجرد حصوله سقط عنه التكليف بحسب ما أتى به من غير مخالفته وكان ما أتى به عين المطلوب وإن كان المقصود حصوله على وجه الامتثال كما في الصوم لم يسقط بمجرد حصوله على حذو ما مر في الامر ومن هنا يتبين ضعف ما مر ذكره في الدليل الخامس ثم اعلم أن من قال بأن الطلب لا يتعلق بالعدم يلزمه القول بأن النهي عن الشئ عين الامر بضده العام أعني الكف إن سمي طلب الكف أمرا بمعنى أنهما لفظان عبر بهما عن مفهوم واحد وعلى قياسه الكلام على القول الآخر وهذا ظاهر ثم للفاضل المعاصر إشكالان أحدهما أنه لا فرق بين المقام والمقام الذي مرت الإشارة إليه وهو أن النهي عن الشئ هل يقتضي الامر بضده أو لا وفيه نظر لان الكلام هنا في تعيين المطلوب بالنهي مع قطع النظر عما يلزمه من الاعتبارات والبحث هناك إنما هو عما يلزمه من الاعتبارات مع قطع النظر عن تعيين المطلوب به هذا إذا أرادوا بالضد الضد العام أعني مجرد الترك أو الكف وأما إذا أرادوا به مطلق الضد أو الضد الخاص كما يظهر من إلزامهم القائلين بالاقتضاء بوجوب المحرم للتوصل إلى ترك ضده المحرم فالفرق بين النزاعين واضح الثاني أنه على القول بكون المطلوب بالنهي هو الكف يؤول الامر إلى النهي عن ضد الكف أيضا على القول بأن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده فيلزمه الدور هذا لفظه وفيه أن من يجعل المطلوب بالنهي الكف يفسر الامر بطلب فعل غير كف فلا يلزمه القول بالاقتضاء المذكور في طلب الكف ولو سلم التعميم فوجه لزوم الدور غير ظاهر لأنه إن أراد بضد الكف نفس الفعل المنهي عنه فغاية ما يلزم أن يكون الامر بالكف مقتضيا للنهي عنه والنهي عنه مقتضيا للامر بالكف وهذا لا يكون دورا لجواز أن يكون الاقتضاء على وجه العينية أو التلازم والتحقيق أنه لا مغايرة بينهما إلا في مجرد التعبير فإطلاق الاقتضاء تسامح وإن أراد به إرادته فالكف عن الفعل كف عنها فغاية ما يلزم أن يجب الكف عن الفعل باعتبار كونه كفا عن إرادته أيضا ولا دور فيه وإن أراد به الكف عن الكف فاللازم منه على تقدير صحته التسلسل دون الدور نعم يلزم الدور أو التسلسل على الوجه الأول إذا قلنا بأن الامر بالشئ يتضمن النهي عن الضد والنهي عن الشئ يتضمن الامر بالضد كما ذهب إليه بعضهم فإن ذلك يوجب جزئية الشئ لنفسه إن جعلنا الأمر الثاني عين الأول وهو دور أو جزئيته مثله له إن جعلنا الثاني غير الأول وهو تسلسل وكذا إن قلنا بأن كلا منهما يستلزم الاخر استلزام السبب لمسببه كما يظهر ممن أثبت ذلك من باب المقدمة فيلزم مع الاتحاد الدور ومع التغاير التسلسل ولا فرق على التقديرين بين أن يفسر النهي بطلب الكف أو طلب الترك وإن كان القائل بها قد فسره بطلب الكف فتدبر فصل اختلفوا في دلالة النهي على الدوام والتكرار فأثبتها قوم وعزي إلى الأكثر ونفاها آخرون وإنما جمعنا في تحرير العنوان بين الدوام والتكرار لان الأول أوفق بالقول بأن المطلوب بالنهي مجرد عدم الفعل والثاني أنسب بالقول بأنه الكف وربما ناسب القول الأول أيضا إن قلنا بعدم بقاء الأكوان مطلقا حتى العدمية منها والتزمنا باستنادها إلى المكلف والظاهر من مقالة المثبتين دعوى كونه موضوعا للتكرار بالخصوص فيدل عليه مع قطع النظر عما سواه حتى عن إطلاقه والظاهر من مقالة النافين نفي دلالته على التكرار ولو مع ملاحظة إطلاقه ما لم يقم قرينة خارجية على خلافه فالنزاع على هذا معنوي والحق أنه بحسب أصل الوضع لا يدل إلا على طلب الترك ولهذا يصح تقييده بكل من الاستمرار وعدمه على الحقيقة وأما عند الاطلاق فمقتضاه الدوام والاستمرار لا غير وبعبارة أخرى إن اعتبر النهي مجردا عن الاطلاق والتقييد كان لطلب نفي الماهية مجردا عن الدوام أو عدمه وإن اعتبر مطلقا كان لطلب نفي الماهية دائما ويمكن تنزيل مقالة النافين على الوجه الأول ومقالة المثبتين على الوجه الثاني فيكون النزاع لفظيا لكنه بعيد كما لا يخفى قلنا إذن في المقام دعويان لنا على أوليهما وجوه أحدها التبادر فإن المفهوم من النهي عند تجريد النظر عن إطلاقه وتقييده ليس إلا طلب ترك الماهية مجردا عن الوصفين وقد سبق أن التبادر من شواهد الحقيقة ويمكن تقرير هذا الدليل بوجه أوضح وهو أن النهي كالأمر يشتمل على جز مادي به يدل على الطبيعة لا بشرط وجز صوري وهو أداة النفي والهيئة به يدل على طلب الترك أو النسبة ولا دلالة لهذين المفهومين على التكرار لا منفردا ولا منضما فيكون للقدر المشترك بينهما وهو المطلوب الثاني أن استعمال النهي في القدر المشترك بين التكرار وعدمه ثابت واستعماله في كل من الخصوصيتين غير ثابت وإنما الثابت إطلاقه عليهما فقضية ما أسلفناه من أصالة الحقيقة في متحد المعنى أن يكون حقيقة في القدر المشترك وللخصم أن يمنع وقوع استعماله في القدر المشترك إذ ليس له مورد ظاهر يمكن إلزامه به الثالث أنه لو كان موضوعا للتكرار بخصوصه كما زعمه الخصم لزم أن يكون مجازا عند تقييده بغيره وليس كذلك للقطع بأن قولنا للحائض لا تصومي أيام حيضك وللجنب لا تدخل المسجد ولا تمس خط الكتاب إلى أن تغتسل إلى غير ذلك مما لا حصر له حقيقة لا غير ودعوى أن للمقيد وضعا آخر مدفوعة بأصالة عدم الاشتراك ولنا على الثانية أيضا وجوه الأول التبادر فإن المفهوم من النهي المطلق عرفا ليس إلا طلب الترك على الاستمرار وذلك ظاهر عند الرجوع إلى المحاورات الثاني أن علماء الأعصار والأمصار لم يزالوا يستدلون بالنواهي الواردة في الكتاب والسنة على دوامه من غير نكير وذلك إجماع منهم على ظهوره في الاستمرار الثالث قضية وقوع المادة المطلقة التي مفادها الماهية المطلقة في سياق النفي المستفاد من النهي حيث إن معناه طلب النفي عموم النفي فيتناول جميع الأزمان وهو المراد بالاستمرار لا يقال قضية عموم النكرة المنفية تناول الافراد دون الأزمان ألا ترى أن قول القائل كل من دخل داري فله كذا يعد عاما بالنسبة إلى الافراد حتى إنه لو استثنى منه بعض الافراد صح من غير حاجة إلى تقدير ومطلقا بالنسبة إلى الأزمان ولهذا لا يصح أن يستثني منه بعض الأزمان إلا بعد تقدير لفظ كل زمان و